الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
115
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أن يكون الخطاب للنّبيين والربّانيّين والأحبار فهي على تقدير القول ، أي قلنا لهم : فلا تخشوا النّاس . والتّفريع ناشئ عن مضمون قوله : بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ ، لأنّ تمام الاستحفاظ يظهر في عدم المبالاة بالنّاس رضوا أم سخطوا ، وفي قصر الاعتداد على رضا اللّه تعالى . وتقدّم الكلام في معنى وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا في سورة البقرة [ 41 ] . وقوله وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ يجوز أن يكون من جملة المحكي بقوله : فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ، لأنّ معنى خشية النّاس هنا أن تخالف أحكام شريعة التّوراة أو غيرها من كتب اللّه لإرضاء أهوية النّاس ، ويجوز أن يكون كلاما مستأنفا عقّبت به تلك العظات الجليلة . وعلى الوجهين فالمقصود اليهود وتحذير المسلمين من مثل صنعهم . و ( من ) الموصولة يحتمل أن يكون المراد بها الفريق الخاصّ المخاطب بقوله : وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا ، وهم الّذين أخفوا بعض أحكام التّوراة مثل حكم الرّجم ؛ فوصفهم اللّه بأنّهم كافرون بما جحدوا من شريعتهم المعلومة عندهم . والمعنى أنّهم اتّصفوا بالكفر من قبل فإذا لم يحكموا بما أنزل اللّه فذلك من آثار كفرهم السابق . ويحتمل أن يكون المراد بها الجنس وتكون الصّلة إيماء إلى تعليل كونهم كافرين فتقتضي أنّ كلّ من لا يحكم بما أنزل اللّه يكفّر . وقد اقتضى هذا قضيتين : إحداهما : كون الّذي يترك الحكم بما تضمّنته التّوراة ممّا أوحاه اللّه إلى موسى كافرا ، أو تارك الحكم بكلّ ما أنزله اللّه على الرّسل كافرا ؛ والثّانية : قصر وصف الكفر على تارك الحكم بما أنزل اللّه . فأمّا القضية الأولى : فالّذين يكفّرون مرتكب الكبيرة يأخذون بظاهر هذا . لأنّ الجور في الحكم كبيرة والكبيرة كفر عندهم . وعبّروا عنه بكفر نعمة يشاركه في ذلك جميع الكبائر ، وهذا مذهب باطل كما قرّرناه غير مرّة . وأمّا جمهور المسلمين وهم أهل السنّة من الصّحابة فمن بعدهم فهي عندهم قضيّة مجملة ، لأنّ ترك الحكم بما أنزل اللّه يقع على أحوال كثيرة ؛ فبيان إجماله بالأدلّة الكثيرة القاضية بعدم التكفير بالذنوب ، ومساق الآية يبيّن إجمالها . ولذلك قال جمهور العلماء : المراد بمن لم يحكم هنا خصوص اليهود ، قاله البراء بن عازب ورواه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم . أخرجه مسلم في « صحيحه » . فعلى هذا تكون ( من ) موصولة ، وهي بمعنى لام العهد . والمعنى عليه : ومن ترك الحكم بما أنزل اللّه تركا